كما نلحظ في أسلوب الآية أنها لم تذكر السبب في إذاقة الرحمة ، إنما ذكرت سبب المصيبة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . . . } [ الروم : 36 ] ليدلَّ على عدله تعالى في إنزال المصيبة ، وتفضُّله في إذاقة الرحمة ؛ لأن الرحمة من الله والنعَم فضل من الله .
لكن في المصيبة قال { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . . . } [ الروم : 36 ] فذكر العِلّة حتى لا يظن أحد أن الله تعالى يُجري المصيبة على عبده ظلماً ، بل بما قدَّمَتْ يداه ، فالمسألة محكومة بالعدل الإلهي .
وبين الفضل والعدل بوْن شاسع ، فلو جاءك خَصْمان لتحكم بينهما تقول : أحكم بينكما بالعدل ، أم بأفضل من العدل ؟ يقول : وهل هناك أفضل من العدل ؟ إذن : نريد العدل ، لكن تنبَّه لأن العدل يعطيك حقك ، والفضل يُتِركك حقك .
فكأن الحق سبحانه يقول لنا : إياكم أنْ تظنوا أنكم ناجون بأعمالكم ، لا إنما بالتفضل عليكم : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 58 ] .
يعني : مهما جمعتُم من الطاعات فلن تكفيكم ، ولا نجاةَ لكم إلا برحمة من الله وفضل .
فالحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نعرف أن رحمة الله وسعتْ كل شيء ، وأنه مع ما أنعم به عليكم من نِعَم لا تُعَدُّ
تفسير الشعراوي — صفحة 11444
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٤٤