وهكذا ينبغي أن نربط بين الموجود ومَنْ أوجده ، فإنْ كان الذي أوجد الواقع رَبٌّ فيجب أنْ نتأمل الحكمة ، ولن نتحدث عن الرحمة ، لأن النفع ظاهر فيها للجميع ، لكن تعال نسأل عن المصيبة التي تُحزِن الناس ، فيقنطوا وييأسوا بسببها .
ونقول : لو نظرتَ إلى مَنْ أنزلها بك لارتاح بالك ، واطمأنتْ نفسك ، فالمصيبة تعني الشيء الذي يصيبك ، خيراً كان أم شراً ، أَلاَ ترى قوله تعالى : { مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ . . . } [ النساء : 79 ] .
فالمصيبة لا تُذَمُّ في ذاتها ، إنما بالنتيجة منها ، وكلمة أصاب في الحسنة وفي السيئة تدلُّ على أن سهمها أُطلِق عليك ، وعمرها مقدار وصولها إليك ، فهي لا بُدَّ صائبتك ، لن تتخلَّف عنك أبداً ، ولن تُخطئك ؛ لأن الذي أطلقها إله ورب حكيم ، فإنْ كانت حسنة فسوف تأتيك فلا تُتعِب نفسك ، ولا تُزاحِم الناس عليها ، وإنْ كانت مصيبة فإياك أنْ تقول : أحتاط لها لأدفعها عن نفسي ؛ لأنه لا مهربَ لك منها .
ثم لماذا تقنط وتيأس إنْ أصابتْك مصيبة ؟ لماذا لا تنتظر وتتأمل ، لعل لها حكمة ، ولعل من ورائها خيراً لا تعلمه الآن ، وربما كانت ضائقة سوف يكون لها فرج قريب .
ألم تقرأ : { وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ . . . }
[ البقرة : 216 ] .
أتذكرون حادث عمارة الموت وقد طردوا منها البواب وأسرته ، وجعلوا منها قضية في المحكمة ، وبعد أن انهارتْ العمارة ، وتبيَّن للبواب وأسرته أن ما ظنوه شراً ومصيبة كان هو عَيْن الخير .
تفسير الشعراوي — صفحة 11441
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٤١