فهنا نجّاهم الله من الكرب ، وأذاقهم رحمته لا ليكفروا به ، إنما ليُبيِّن لهم أنه لا مفزعَ لهم إلا إليه ، فيتمسكون به سبحانه ، فيؤمن منهم الكافر ، ويزداد مؤمنهم إيماناً ، لكن جاء ردُّ الفعل منهم على خلاف ذلك ، لقد كفروا بالله ؛ لذلك يسمون هذه اللام لام العاقبة أي : أن كفرهم عاقبة النجاة والرحمة .
ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - لو ضممتَ طفلاً مسكيناً إلى حضانتك وربَّيته أحسن تربية ، فلما شبَّ وكَبِر تنكّر لك ، واعتدى عليك ، فقلت للناس : ربَّيته ليعتدي عليَّ ، والمعنى : ربَّيته ليحترمني ويحبني ، لكن جاءت النتيجة والعاقبة خلاف ذلك ، وهذا يدل على فساد التقدير عند الفاعل الذي ربَّي ، وعلى لُؤْم وفساد طبع الذي رُبِّي .
فالأسلوب هنا { لِيَكْفُرُواْ . . . } [ الروم : 34 ] يحمل معنى التقريع ؛ لأن ما بعد لام العاقبة ليس هو العلة الحقيقية لما قبلها ، إنما العلة الحقيقية لما قبلها هو المقابل لما بعد اللام : أذاقهم الرحمة ، ونجاهم ليؤمنوا ، أو ليزدادوا إيماناً ، فما كان منهم إلا أنْ كفروا .
ولهذه المسألة نظائر كثيرة في القرآن ، كقوله تعالى في قصة موسى : { فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً . . . } [ القصص : 8 ] .
ومعلوم أنهم التقطوه ليكون لهم قُرَّة عين ، ولو كانوا يعلمون هذه العاقبة لأغرقوه أو قتلوه كما قتلوا غيره من أطفال بني إسرائيل ، وكما يقولون في الأمثال ( بيربي خنَّاقه ) .
فهذا دليل على غفلة الملتقِط ، وعلى غبائه أيضاً ، فكيف وهو يُقتِّل الأولاد في هذا الوقت بالذات لا يشكّ في ولد جاء في تابوت مُلْقىً في البحر ؟ أليس في هذا دلالة على أن أهله يريدون نجاته من
تفسير الشعراوي — صفحة 11433
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٣٣