ربه بالرسالة ، وذهب إلى فرعون يدعوه إلى الله قال له : { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } [ الشعراء : 18 ] .
نعم ربَّيتني وليداً ، لكن الذي ربّاني وربّاك هو الذي بعثني إليك ، فأنا أبرّ المربي الأعلى قبل أنْ أبرَّ بك ، وفي هذا إشارة إلى أن عناية الله هي الأصل في تربية مَنْ تحب ، فإياك أنْ تقول : ربَّيْتُ ولدي حتى صار كذا وكذا ، بل عليك بالأَخْذ بأسباب التربية ، وتترك المربِّي الأعلى هو الذي يُربِّي على الحقيقة .
وهذا المعنى فطن إليه الشاعر ، فقال :
إذَا لَمْ تُصَادِفْ في بَنِيكَ عنَايةً . . . فَقَدْ كذَبَ الرَّاجي وخَابَ المؤملُ
فَمُوسَى الذي ربَّاه جِبْريلُ كَافرٌ . . . ومُوسى الذي ربَّاهُ فِرْعَونُ مُرسَل
ثم يقول سبحانه : { فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ الروم : 34 ] لأنه كفر ليتمتع بكفره في الدنيا ؛ لأن للإيمان مطلوبات صعبة تشقُّ على النفس ، فيأمرك بالشيء الثقيل على نفسك ، وينهاك عن الشيء المحبب إليها ، أما الأصنام التي عبدوها من دون الله وغيرها من الآلهة فلا مطلوبَ لها ولا منهج .
لكنه متاع الحياة الدنيا ومتاع الدنيا قليل ؛ لأن الدنيا بالنسبة لك مدة بقائك فيها فلا تقُلْ إنها ممتدة من آدم إلى قيام الساعة ، فهذا العمر الطويل لا يعنيك في شيء ، الذي يعنيك عمرك أنت .
ومهما كان عمر الإنسان في الدنيا فهو قصير وتمتُّعه بها قليل ، ثم إن هذا العمر القصير مظنون غير مُتيقن ، فربما داهمك الموت في أيِّ لحظة ، ومَنْ مات قامت قيامته .
تفسير الشعراوي — صفحة 11435
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٣٥