{ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [ الروم : 33 ] أي : يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله .
وحين نتأمل هذه المسألة نجد أن القرآن عرضها مرة بصيغة الإفراد ، فقال : { وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً . . . . } [ الزمر : 8 ] .
وقال : { وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ . . . } [ يونس : 12 ] .
لكن الكلام عن الإنسان المفرد لا يكفي لإثبات الظاهرة ؛ لأن الإنسان الواحد يمكن أن يستذل أمام ربه ، ويعود إليه بعد أنْ تجرَّأ على معصيته ، يكون ذلك بينه وبين نفسه ، فلا يفضح نفسه أمام الناس ، فأراد سبحانه أنْ يثبت هذه المسألة عند الناس جميعاً ؛ ليفضح بعضهم بعضاً ، فذكر هنا { وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ . . . } [ الروم : 33 ] .
وفي آية أخرى : { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت : 65 ] .
فجاء بصيغة الجمع ليفضح الكافرين بعضهم أمام بعض ، وقد يكون في هؤلاء الداعين مَنْ كان يُؤلّبهم على الله ، ويصرفهم عن الإيمان به ، وها هو الآن يدعو ويتضرع ، وحين يُفتضح أمرهم يكون ذلك أَدْعى لاستقامتهم وأدعى ألاَّ يتكبر أحد على أحد .
لذلك قلنا في ميزات الصلاة أنها تُسوِّي بين الناس ، فيجلس الرجل العادي بجوار مَنْ لم يكُن يُؤْمَل أنْ يجلس بجواره ، ويجده خاضعاً معه مطاوعاً للإمام . . الخ ففي الصلاة ، الجميع سواء ، والجميع منتفع بهذه المساواة ، آخذ منها عبرة ، فلا يتكبر بعدها أحد على أحد .
تفسير الشعراوي — صفحة 11428
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٢٨