وكمن يقول مثلاً : الأرض كروية وهي فعلاً كذلك ، أما مَنْ يكابر حتى الآن ويقول ليست كروية ، والواقع أنها كروية ، فهذا جهل .
إذن : نقول ليس الجهل ألاَّ تعلم ، إنما الجهل أنْ تععلم قضية على خلاف الواقع ؛ لذلك نُفرِّق بين الجاهل والأمي : الأمي خالي الذِّهْن ليست لديه قضية من أساسه ، فإنْ أخبرته بقضية أخذها منك دون عناد ، ودون مكابرة أمّا الجاهل فعنده قضية خاطئة معاندة ، فيحتاج منك أولاً لأنْ تُخرِج القضية الفاسدة لتُلِقي إليه بالقضية الصحيحة .
فإنْ كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أنْ نجزم بها ، فتنظر : إنْ تساوي الإثبات فيها مع النفي فهي الشك ، إذن : فالشكُّ قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي ، فإنْ غلَّبْتَ جانب الإثبات ورجَّحته فهو ظن ، أما إنْ غلَّبت جانب النفي فهو وهم .
فعندنا - إذن - من أنواع القضايا : علم ، وجهل وتقليد ، وظن ، ووَهْم .
فالحق سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم بها ، مطابقة للواقع ، وعليها دليل ، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم المتفرقة ، وأخذوها بدون أصولها من العلم ، فسوف أكمل لهم ما أرادوا وأعينهم على ما أحبُّوا { فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله . . . } [ الروم : 29 ] فقد ألغواْ عقولهم وعطَّلوها وعشقوا الكفر بعد ما سُقْنا لهم الأدلة والبراهين .
إذن : لم يَبْقَ إلا أنْ أعينكم على ما تعتقدون ، وأنْ أساعدكم عليه ، فأختم على قلوبكم ، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر ، لأنني رب أعين عبدي على ما يريد . وهكذا يُضل الله هؤلاء ، بمعنى : يعينهم على ما هم عليه من الضلال بعد أنْ عَشِقَوه ، كما قال سبحانه :
تفسير الشعراوي — صفحة 11411
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤١١