تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11408

مساهمون:

ص١١٤٠٨
اتبعوا أهواءهم : لأنهم اختاروا عبادة مَنْ لا منهجَ له ولا تكليف ، عبدا إلهاً لا أمر له ولا نهي ، لا يرتب على التقصير عقوبة ، ولا على العمل ثواباً ، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه . إياك أن تُقدِّم الهوى على العقل ؛ لأنك حين تُقدِّم الهوى يصير العقل عقلاً تبريرياً ، يحاول أنْ يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته ، لكن بالعقل أولاً حدِّد الهوى ، ثم اجعل حركة حياتك تبعاً له . والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه ، لكن الهوى الواحد غير مذموم ، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة ؛ لأن الهوى الواحد في القلب يُجنِّد القالب كله لخدمة هذا الهوى ، فحين يكون هواي أنْ أذهب إلى مكان كذا ، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية ، فيحدد الطريق ، ويُعد الزاد ، ويأخذ بأسباب الوصول . وهذا الهوى هو المعنىّ في الحديث الشريف : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به » فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه وتحبه ؛ لأن ذلك الهوى يُعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة . أما حين تتعدد الأهواء فَلَك محبوب ، ولي محبوب آخر ، فإنها لا شكَّ تتعارض وتتعاند ، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه ، وأن تتعاضد لا تتعارض ، وأن تتضافر لا تتضارب ؛ لأن تضارب الأهواء يُبدِّد حركة الحياة ويضيع ثمرتها . أمّا إنْ كان هواي هو هواك ، وهو هوى ليس بشرياً ، إنما هوى رسمه لنا الخالق - عَزَّ وَجَلَّ - فسوف نتفق فيه ، وتثمر حركة حياتنا