تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11405

مساهمون:

ص١١٤٠٥
وأعفى المجنون لأن آلة الاختيار عنده غير سليمة وغير صالحة ، وقلنا : إن علامة النضج في الإنسان أن يصير قادراً على إنجاب مثله ، ومثَّلْنا لذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نضجها ، بحيث إذا أكلت زرعتَ بذرتها ، فأنبتت ثمرة جديدة ، وهكذا يحدث بقاء النوع وتستمر الدورة . فربك لا يريد أن تأكل أكلة واحدة ، ثم تُحرم أو يُحرم مَنْ يأتي بعدك ، إنما يريد أنْ تأكل ويأكل كل مَنْ يأتي بعدك ، فلا تأخذ الثمرةُ حلاوتها إلا بعد نُضْج بذرتها ، وصلاحيتها للإنبات . وقوله تعالى : { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ الروم : 28 ] يدل على أن الذين يتخذون مع الله شركاء غير عاقلين ، وإلا فما معنى عبادة الأصنام أو الأشجار أو الشمس أو القمر ؟ وقد قالوا بألسنتهم : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى . . . } [ الزمر : 3 ] . فما هي العبادة ؟ العبادة طاعة العابد لأمر المعبود ونَهْيه ، إذن : بماذا أمرَتْكُم هذه الآلهة ؟ وعَمَّ نهتْكُم ؟ ما المنهج الذي وضعتْه لكم ؟ ماذا أعدتْ لمن أطاعها من النعيم ؟ وماذا أعدتْ لمن عصاها من العذاب ؟ لا شيء إلا أنها آلهة بدون تكاليف ، وما أيسرَ أنْ يعبد الإنسانُ إلهاً لا تكاليف له ، لا يُقيدك فيما تحب من شهوات ، ولا يُحمِّلك مشقة العبادة ، وهنا يتضح عدم العقل . وأيضاً عدم العقل في ماذا ؟ الله خلقك في كون فيه أجناس ، والأجناس تحكمها سلسلة الارتقاء ، فجنس أعلى من جنس ، والجنس الأعلى في خدمة الجنس الأقل . ولو استقرأتَ أجناس الوجود تجد أن معك أيها الإنسان جنساً