آخر يشاركك الحسَّ والحركة ، لكن ليس له عقل واختيار بين البدائل ؛ لأنه محكوم بالغريزة منضبط بها ، وهذا هو الحيوان الذي لا ينفكُّ عن الغريزة أبداً .
وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك بالغريزة الجنسية عند الإنسان وعند الحيوان ، وأن الله تعالى إنما جعلها لتكاثر وحِفْظ النوع ، فالحيوان المحكوم بالغريزة يؤدي هذه المهمة للتكاثر ويقف بها عند حدِّها ، فإذا لقَّح الذكر الأنثى يستحيل أنْ تمكِّنه من نفسها بعد ذلك ، وهو أيضاً يشمُّ رائحة الأنثى ، فإنْ كانت حاملاً ينصرف عنها .
أما الإنسان فغير ذلك ؛ لأن له شهوة تتحكم فيه ، فالمرأة تتحمل مشقة الحمل وألم الولادة ، ثم تربية المولود إلى أنْ يكبر ، ولولا أن الله تعالى ربط حِفْظ النوع في الإنسان بشهوة هي أعنف شهوات النفس ما أقدمتْ المرأة على الحمل مرة أخرى .
وما قُلْناه في غريزة الجنس نقوله في الطعام والشراب ، الحيوان محكوم فيها بالغريزة المطلقة التي لا دَخْلَ للهوى فيها ، فإذا شبع لا يأكل مهما حاولتَ معه ، بل ونرى الحمار الذي نقول عنه إنه حمار لا يأكل عوداً واحداً بعد شِبَعه ، ويمر على النعناع الأخضر مثلاً أو على الملوخية فلا يأكلها ، ويذهب إلى الحشائش اليابسة ، فهو يعرف طعامه بالغريزة التي جعلها الله فيه .
أما الإنسان فيأكل حتى التُّخْمة ، ثم لا ينسى بعد ذلك الحلو والبارد والمهضم . . الخ ذلك ؛ لأنه أسير لشهوة بطنه ، حتى إن من الناس مَنْ يغضب ؛ لأنه شبع فهو يريد ألاَّ يفارق المائدة .
وقد حدثنا رجال حديقة الحيوان بعد زلزال 1992 أنهم شاهدوا هياجاً في الحيوانات المحبوسة في الأقفاص قبل حدوث الزلزال ، كان
تفسير الشعراوي — صفحة 11406
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٠٦