تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11403

مساهمون:

ص١١٤٠٣
وأنْ يوافق حقائق الدين ، أمّا إنْ تدخَّل الهوى فسد الفكر . وقوله تعالى { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ الروم : 28 ] العقل وسيلة من وسائل الإدراك في الإنسان ؛ لأن الله تعالى قال : { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل : 78 ] . لكن ، كيف تُربَّى الأمور العقلية في الناس ؟ تُربَّى عن طريق الحواس والإدراك ، فالعين ترى ، والأذن تسمع ، واللسان يتذوق ، واليد تلمس ، والأنف يشمُّ ، إلى آخر الحواس التي توصلنا إليها كحاسة البين ، وحاسة العضل وغيرها . لذلك احتاط العلماء في تسمية الحواس فقالوا « الحواس الخمس الظاهرة » ليدعوا المجال مفتوحاً لحواس أخرى ، فهذه الوسائل تدرك المعلومات وتنقلها إلى العقل ليراجعها وينتهي فيها إلى قضايا يجعلها دستوراً لحياته ، فأنت تأكل مثلاً العسل فتدرك حلاوته ، وتأكل الجبن فتدرك ملوحته ، فتتكون لديك قضية عقلية أن هذا حلو ، وهذا مالح . . إلخ . وحين تستقر هذه القضايا في القلب تصير عقيدة لا تخرج للتفكير مرة أخرى ، ولا تمر على العقل بعد ذلك ، فقد انعقد عليها الفؤاد ، وترسختْ في الذهن . ودَوْر العقل أن يعقل هذه القضايا ، وأنْ يختار بين البدائل ، والأمر الذي لا بديلَ له لا عملَ للعقل فيه ، فلو أنك مثلاً ستذهب إلى مكان ليس له إلا طريق واحد فلا مجال للتكفير فيه ، لكن إنْ كان لهذا المكان أكثر من طريق فللعقل أنْ يفاضل بينها ويختار الأنسب منها فيسلكه .