وما دام العقل هو الذي يختار فهو الميزان الذي تَزِن به الأشياء ، وتحكم به القضايا ؛ لذلك لا بُدَّ له أنْ يكون سليماً لتأتي نتائجه كذلك سليمة وموضوعية ، ومعلوم أن الميزان يختلف باختلاف الموزون وأهميته .
والحق سبحانه يعطينا مثالاً لدقة الميزان في الشمس والقمر ، فيقول { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] أي : بحساب دقيق ، ولولا الدقة فيهما ما أخذناهما ميزاناً للوقت ، فبالشمس نعرف الليل والنهار ، وبالقمر نعرف الشهور .
فحين يقول سبحانه { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ الروم : 28 ] يعني : أننا عملنا ما علينا من التفصيل والبيان ، وتوضيح الحجج والبراهين ، ولكن أنتم الذين لا تعقلون .
ولما كان العقل هو آلة الاختيار بين البدائل وآلة التمييز أعفى الحق سبحانه مَنْ لا عقل له من التكاليف ، أعفى الطفل الصغير الذي لم يبلغ ؛ لأن عقله لم ينضج بعد ، ولأن حواسّه لم تكتمل .
وتتجلى حكمة الشارع في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ « مروا أولادكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر » فجعل من ضمن تكليف الآباء أنْ يُكلِّفوا هم الأبناء في هذه السنِّ ، لتكون لهم دُرْبة على طاعة الأمر والنهي في وقت ليس عليهم تكليف مباشر من الله تعالى .
فإذا كبر الصغير يستقبل تكليفي كما استقبل تكليفك أولاً ، وربُّك ما افتات عليك في هذه المسألة ، فأعطاك حق التكليف بالصلاة ، وأعطاك حق أنْ تعاقبه إنْ قصَّر ، فأنت الذي تُكلِّف ، وأنت الذي تعاقب .
تفسير الشعراوي — صفحة 11404
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٠٤