فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أَوْ حَدٌّ مُرْهَف . . . يُقيم ظباه أَخْدعَيْ كلِّ مائلٍ
فَهَذا دَوَاءُ الدَّاء من كُلِّ عَاقِلٍ . . . وذَاك دَوَاءُ الدَّاءِ من كُلِّ جاهل
ولي أنا شخصياً ذكريات ومواقف مع هذه الآية { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ . . . } [ القصص : 54 ] وقد كنا في بلد بها بعض من إخواننا المسيحيين ، وكان من بينهم رجل ذو عقل وفكر ، كان دائماً يُواسي المسلمين ، ويحضر مآتمهم ويستمع للقرآن ، وكانت تعلَق بذهنه بعض الآيات ، فجاءني مرة يقول : سمعت المقرئ يقرأ :
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] .
فألسنا من العالمين ، قلت له : نعم أُرسِل محمد رحمة للعالمين جميعاً ، فمَنْ آمن به نالته رحمته ، ومَنْ لم يؤمن به حُرِم منها ، ومع ذلك لو نظرتَ في القرآن نظرة إمعانٍ وتبصُّر تجد أنه رحِم غير المؤمن ، قال : كيف ؟ فقرأتُ له قوله تعالى : { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس . . . } [ النساء : 105 ] ولم يقل بين المؤمنين { بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } [ النساء : 105 ] .
فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أنْ يُنصف المظلوم منهم ، وأنْ يردَّ عليه حقَّه ، ثم { واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 106 ] لأن الله لا يحب الخوَّان الأثيم ولو كان مسلماً .
ثم ذكرتُ له سبب نزول هذه الآية وهي قصة الدرع الذي أودعه اليهودي زيد بن السمين أمانة عند طعمة بن أبيرق المسلم ،
تفسير الشعراوي — صفحة 10960
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٦٠