وبيان ذلك أنه سبحانه نسب الموت لنفسه أولاً ؛ لأنه صاحب الأمر الأعلى فيه ، فيأمر به ملَك الموت ، وملَك الموت بدوره يأمر جنوده ، إذن : فمردُّها إلى الله .
ثم يقول سبحانه : { إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } [ الروم : 25 ] أي : حين يسمع الموتى هذه الصيحة يهبُّون جميعاً أحياء ، فإذا هنا الفجائية الدالة على الفجأة ، وهذا هو الفارق بين ميلاد الدنيا وميلاد الآخرة ، ميلاد الدنيا لم يكُنْ فجأة ، بل على مهل ، فالمرأة قبل أنْ تلد نشاهد حملها عدة أشهر ، وتعاني هي آلام الحمل عدة أشهر ، فلا فجأة إذن .
نعرف أن ( مَنْ ) للعاقل ، ولنا أن نسأل : لماذا خصَّ العاقل مع أن لك ما في الكون خاضع لله طائع مُسبِّح يدخل في دائرة القنوت لله ؟ قالوا : لأن التمرد لا يأتي إلا من ناحية العقل ؛ لذلك بدأ الله به ، أما الجماد الذي لا عقلَ له ، فأمره يسير حيث لا يتأبَّى منه شيء على الله ، لا الجماد ولا الحيوان ولا النبات .
تأمل مثلاً الحمار تُحمِّله القاذورات فيحمل ، فإذا رقَّيْته وجعلته مطية للركوب لا يعترض ، لا عصى في الأولى ، ولا عصى في الأخرى ؛ لأنه مُذلَّل لك بتذليل الله ، ما ذلَّلته لك بعقلك ولا بقوتك { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } [ يس : 71 - 72 ] .
وضربنا لذلك مثلاً بالجمل لما ذلَّله الله لك استطاع الغلام الصغير أنْ يقوده ويُنيخه ويركبه ويحمله ، أما الثعبان الصغير فيُخيفك رغم صِغَره ؛ لأن الله لم يُذلِّله لك .
تفسير الشعراوي — صفحة 11383
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٨٣