نلحظ في تذييل الآيات مرة يقول سبحانه : { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ الروم : 21 ] ومرة { لِّلْعَالَمِينَ } [ الروم : 22 ] ومرة { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } [ الروم : 23 ] أو { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ الروم : 24 ] فتختلف الأدوات الباحثة في الآيات .
والبعض يظن أن العقل آلة يُعملها في كل شيء ، فالعقل هو الذي يُصدِّق أو لا يُصدِّق ، والحقيقة أنك تستعمل العقل في مسألة الدين مرة واحدة تُغنيك عن استعماله بعد ذلك ، فأنت تستعمل العقل في أنْ تؤمن أو لا تؤمن ، فإنْ هداك العقل إلى أن الكون له إله قادر حكيم خالق لا إله إلا هو ووثقتَ بهذه القضية ، فإنها لا تطرأ على تفكيرك مرة أخرى ، ولا يبحثها العقل بعد ذلك ، ثم إنك في القضايا الفرعية تسير فيها على وَفْق قضية الإيمان الأولى فلا تحتاج فيها للعقل .
لذلك العقلاء يقولون : العقل كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان ، لكن لا تدخل معك عليه ، وهكذا العقل أوصلك إلى الإيمان ثم انتهى دوره ، فإذا ما سمعتَ قال الله فأنت أثق من صِدْق القول دون أنْ تُعمل فيه العقل .
وحين يقول سبحانه : يعقلون يتفكرون يعلمون ، حين يدعوك للتدبُّر والعِظَة إنما ينبه فيك أدوات المعارضة لتتأكد ، والعقل هنا مهمته النظر في البدائل وفي المقدمات والنتائج .
كما لو ذهبتَ مثلاً لتاجر القماش فيعرض عليك بضاعته : فهذا صوف أصلي ، وهذا فطن خالص ، ولا يكتفي بذلك إنما يُريك جودة بضاعته ، فيأخذ ( فتلة ) من الصوف ، و ( فتلة ) من القطن ، ويشعل النار في كل منهما لترى بنفسك ، فالصوف لا ترعى فيه النار على خلاف القطن .
إذن : هو الذي يُنبِّه فيك وسائل النقد ، ولا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته ، أما الآخر الذي لا يثق في جودة بضاعته
تفسير الشعراوي — صفحة 11376
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٧٦