ولو تأملتَ الماء الذي ينزل من السماء لوجدتَّه من سحاب متراكم { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ . . . } [ النور : 43 ] .
وسبق أنْ تحدَّثنا عن كيفية تكوُّن السُّحُب ، وأنها نتيجة لبخر الماء ، لذلك من حكمته تعالى أنْ جعل ثلاثة أرباع الأرض ماءً والربع يابسة ، ذلك لتتسع رقعة بَخْر الماء ، فكأن الثلاثة الأرباع جعلت لخدمة الرُّبْع ، وليكفي ماء المطر سكان اليابسة .
وبيَّنا أهمية اتساع مسطح الماء في عملية البخر ، بأنك حين تترك مثلاً كوباً من الماء على المنضدة لمدة طويلة يظل كما هو ، ولو نَقُص منه الماء لكان قليلاً ، أمّا لو سكبتَ ماء الكوب على أرض الغرفة مثلاً فإنه يجفّ في عدة دقائق لماذا ؟ لأن مسطح الماء اتسع فكَثُر الماء المتبخِّر .
ومثَّلْنا لتكوُّن السُّحُب بعملية التقطير التي نُجريها في الصيدليات لنحصل منها على الماء النقي المعقم ، وهذه تقوم على نظرية استقبال بخار الماء من الماء المغلي ، ثم تمريره على سطح بارد فيتكثف البخار مُكوِّناً الماء الصافي ، إذن : فأنت حينما تستقبل ماء المطر إنما تستقبل ماءً مقطراً في غاية الصفاء والنقاء ، دون أن تشعر أنت بهذه العملية ، ودون أن نُكلِّفك فيها شيئاً .
وتأمل هذه الهندسة الكونية العجيبة التي ينشأ عنها المطر ، فحرارة الشمس على سطح الأرض تُبخِّر الماء بالحرارة ، وفي طبقات الجو العليا تنخفض الحرارة فيحدث تكثُّف للماء ويتكوَّن السحاب ، ومن العجيب أننا كلما ارتفعنا 30 متراً عن الأرض تقل الحرارة درجة ، مع أننا نقترب من الشمس ؛ ذلك لأن الشمس لا تُسخِّن
تفسير الشعراوي — صفحة 11378
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٧٨