تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11323

مساهمون:

ص١١٣٢٣
من دقة الأداء القرآني ، ومظهر من مظاهر إعجازه ، فالظاهر أننا نسير على الأرض ، لكن التحقيق أننا نسير في الأرض ؛ لأن الذي خلقنا وخلق الأرض قال : { سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ } [ سبأ : 18 ] . ذلك لأن الأرض ليست هي مجرد اليابسة التي تحمل الماء ، والتي نعيش عليها ، إنما الأرض تشمل كل ما يحيط بها من الغلاف الجوي ؛ لأنها بدونه لا تصلح للعيش عليها ، إذن : فغلاف الأرض من الأرض ، فحين نسير لا نسير على الأرض إنما في الأرض . والسير في الأرض نظر له الدين من ناحيتين : سير يُعَدُّ سياحة للاعتبار ، وسيْر يُعَدُّ سياحة للاستثمار ، فالسير للاعتبار أن تتأمل الآيات في الأرض التي تمر بها ، فالجزيرة العربية مثلاً صحراء وجبال يندر فيها الزرع ، فإنْ ذهبتَ إلى أسبانيا مثلاً تجدها بلاداً خضراء لا تكاد ترى سطح الأرض من كثرة النباتات بها . وفي كل منها خيرات ؛ لأن الخالق سبحانه وزَّع أسباب الفضل على الكون كله ، وترى أن هذه الأرض الجرداء القاحلة والتي كانت يشقُّ على الناس العيش بها لما صبر عليها أهلها أعطاهم الله خيرها من باطن الأرض ، فأصبحت تمد أعظم الدول وأرقاها بالوقود الذي لا يُسْتغنى عنه يوماً واحداً في هذه البلاد ، وحينما قطعناه عنهم في عام 1973 ضجُّوا وكاد البرد يقتلهم . حين تسير في الأرض وتنظر بعين الاعتبار تجد أنها مثل ( البطيخة ) ، لو أخذتَ منها قطاعاً طولياً فإنه يتساوى مع باقي القطاعات ، كذلك الأرض وزَّع الله بها الخيرات على اختلاف ألوانها ، فمجموع الخير في كل قطاع من الأرض يساوي مجموع الخيرات في القطاعات الأخرى .