العلماء إليه بالبحث ودراسة معطيات الكون ، ونفهم هذا في ضوء قوله تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق . . } [ فصلت : 53 ] .
وهذه أيضاً من الآيات التي تُقدّم فيها أدلة السماوات والأرض على أدلة النفس . إذن : فالكونيات تُبنَى على علوم ودراسات ، لا دخلَ للدين بها ، الدين جاء ليقول لك : افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، ثم ترك الكونيات إلى أنْ تتسع العقول لفهمها .
وقوله سبحانه : { إِلاَّ بالحق . . } [ الروم : 8 ] لأن السماوات والأرض وما بينهما من الكواكب والأفلاك تسير على نظام ثابت لا يتخلف ، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً ، وتأمل حركة الكواكب والأفلاك تجد أنها تسير وَفْق نظام دقيق منضبط تماماً .
فالشمس لم تتخلف يوماً فتقول مثلاً : لن أطلع اليوم على هؤلاء الناس ؛ لأنهم ظالمون ، لأن لها قانوناً تسير به ، وهي مخلوقة بحق ثابت لا يتغير ، وما دامتْ هذه الكونيات خلقت بحق وبشيء ثابت فلك أن ترتب عليها حساباتك وتضبط بها وقتك ، وأنت لا تضبط وقتك على ساعة إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة .
لذلك يقول سبحانه : { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] أي : مخلوقة بحساب ؛ ولأنه سبحانه خلقها بحساب جعلها آلة للحساب ، فقال : { والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ يس : 39 - 40 ] .
ويقول سبحانه : { وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين
تفسير الشعراوي — صفحة 11320
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٢٠