تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11306

مساهمون:

ص١١٣٠٦
ولهذه الثقة سُمِّي الصِّديق صدِّيقاً ، فحين أخبروه بمقالة رسول الله عن الإسراء ما كان منه إلا أنْ قال : إنْ كان قال فقد صدق ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يخبر بهذه النتيجة ، ويراهن المشركين عليها ، ويتمسك بها ، وما ذاك إلا لثقته في صدق هذا البلاغ ، وأنه لا يمكن أبداً أنْ يتخلف . وقوله تعالى { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ . . . } [ الروم : 4 ] يعني : إياكم أنْ تفهموا أن انتصار الفرس على الروم أو انتصار الروم على الفرس خارج عن مرادات الله ، فلله الأمر من قبل الغلب ، ولله الأمر من بعد الغلب . فحين غَلبت الروم لله الأمر ، وحين انتصرت الفرس لله الأمر ؛ لأن الحق سبحانه يهيج أصحاب الخير بأن يُغلِّب أصحاب الشر ، ويُحرِّك حميتهم ويُوقظ بأعدائهم مشاعرهم ، ويُنبّههم إلى أن الأعداء لا ينبغي أن يكونوا أحسن منهم . إذن : فنصر المكروه لله على المحبوب لله جاء بتوقيت من الله ؛ لذلك إياك أن تحزن حين تجد لك عدواً ، فالأحمق هو الذي يحزن لذلك ، والعاقل هو الذي يرى لعدوه فَضْلاً عليه ، فالعدو يُذكِّرني دائماً بأن أكون قوياً مستعداً ، يُذكِّرني بأن أكون مستقيماً حتى لا يجد مني فرصة أو نقيصة . العدو يجعلك تُجنِّد كل ملكاتك للخير لتكون أفضل منه ؛ لذلك يقول الشاعر : عدايَ لَهٌمْ فَضْلٌ عليَّ ومِنَّةٌ . . . فَعِنْدي لهُم شُكْرٌ على نَفْعهم ليَا فَهُمْ كدَواءٍ والشِّفاء بمُرِّهِ . . . فَلا أَبْعَد الرحمنُ عنِّي الأعَادِيَا