ولده الجُعْل لعبد الرحمن ، فذهبوا به إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال : » تصدقوا به « » .
وهنا وقفة إعجازية إيمانية عقدية : سبق أنْ تكلمنا عن الغيب وعن المشهد . وقلنا : إن الغيب أنواع : غيب له مقدمات تُوصِّل إليه ، كما تعطي التلميذ تمريناً هندسياً ، وكالأسرار الكونية التي يتوصَّل إليها العلماء ويكتشفونها من معطيات الكون ، كالذي اكتشف الآلة البخارية ، وأرشميدس لما اكتشف قانون الأجسام الطافية . . إلخ ولا يقال لهؤلاء : إنهم علموا غيباً ، إنما أخذوا مقدمات موجودة واستنبطوا منها معدوماً .
أمّا الغيب المطلق فهو الذي ليس له مقدمات تُوصِّل إليه ، فهو غيب عن كل الناس ، وفيه يقول تعالى : { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ . . . }
[ الجن : 26 - 27 ] .
ومن الغيب ما يغيب عنك ، لكن لا يغيب عن غيرك ، كالشئ الذي يُسرق منك ، فهو غيب عنك لأنك لا تعرف مكانه ، وليس غيباً عَمَّنْ سرقه منك .
وآفة الإنسان أنه لا يستغل المقدمات للبحث في أسرار الكون ليرتقي في الكونيات ، إنما يستغلها لمعرفة غيب الآخرين ، ونقول له : إن كنت تريد أن تعلم غيب الآخرين ، فاسمح لهم أنْ يعلموا غيبك وأعتقد أن أحداً لا يرضى ذلك .
إذن : سَتْر الغيب عن الخَلْق نعمة كبرى لله تعالى ؛ لأنه سبحانه
تفسير الشعراوي — صفحة 11303
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٠٣