رب الناس جميعاً ، ويريد سبحانه أن ينتفع خَلْقه بخَلْقه ، ألا ترى أنك إنْ علمتَ في إنسان سيئة واحدة تزهدك في كل حسناته ، وتجعلك تكرهه ، وتكره كل حسنة من حسناته ، فستر الله عنك غَيْب الآخرين لتنتفع بحسناتهم .
والغيب حجزه الله عنا ، إما بحجاب الزمن الماضي ، أو الزمن المستقبل ، أو بحجاب المكان ، فأنت لا تعرف أحداث الماضي قبل أنْ تُولد إلى أنْ يأتي مَنْ تثق به ، فيخبرك بما حدث في الماضي ، وكذلك لا تعرف ما سيحدث في المستقبل ، أما حاجز المكان فأنت لا تعرف ما يوجد في مكان آخر غير مكانك ، وقد يكون الشيء في مكانك ، لكن له مكين فلا تطلع عليه .
ومن ذلك قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ . . . } [ المجادلة : 8 ] .
فمَنِ الذي أخبر رسول الله بما في نفوسهم ؟ لقد خرق الله له حجاب المكان ، وأخبره بما يدور في نفوس القوم ، وأخبرهم رسول الله به ، أَمَا كان هذا كافياً لأن يؤمنوا بالله الذي أخرج مكنون صدورهم ؟ إذن : المسألة عندهم عناد ولجاجة وإنكار .
وكذلك ما كان من رسول الله في غزوة مؤتة التي دارتْ على أرض الأردن ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمدينة - ونعلم أن أهل السيرة لا يطلقون اسم الغزوة إلا على التي حضرها رسول الله ، وكل حدث
تفسير الشعراوي — صفحة 11304
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٠٤