وهْم بحثُوا عَنْ زَلَّتي فَاجْتنبتُها . . . وهُمْ نافسُوني فاكتسبْتُ المعَاليَا
إذن : لله الأمر من قبل ومن بعد ، وله الحكمة في أنْ ينتصر الباطل ، أَلاَ ترى غزوة أحد ، وكيف هُزِم المسلمون لما خالفوا أمر رسول الله وتركوا مواقعهم طمعاً في مغنم ، انهزموا في أول الأمر ، مع أن رسول الله معهم ؛ لأن سنة الله في كونه تقضي بالهزيمة حين نخالف أمر رسول الله ، وكيف يكون الحال لو انتصر المسلمون مع مخالفتهم لأمر رسولهم ؟ لو انتصروا الفقد أمر الرسول مصداقيته ، ولما أطاعوا له أمراً بعد ذلك .
وفي يوم حنين : { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ . . . } [ التوبة : 25 ] حتى إن أبا بكر نفسه ليقول : لن نٌغلب اليوم عن قِلّة ، فلما نظروا إلى قوتهم ونسُوا تأييد الله هُزِموا في بداية الأمر ، ثم يحنّ الله عليهم ، وتتداركهم رحمته تعالى ، فينصرهم في النهاية .
إذن : فلله الأمر من قبل ومن بعد ، فإياك أن تظن أن انتصار الباطل جاء غصْباً عن إرادة الله ، أو خارجاً عن مراده ، إنما أراده الله وقصده لحكمة .
ثم يقول سبحانه : { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله . . . } [ الروم : 4 - 5 ] أيّ نصر الذي يفرح به الؤمنون ؟ أيفرحون لانتصار الروم على الفرس ؟ قالوا : بل الفرح هنا دوائر متشابكة ومتعالية ، فهم أولاً يفرحون لانتصار أهل دين وأهل كتاب على كفار وملاحدة ، ويفرحون أن بشرى رسول الله تحققتْ ، ويفرحون لأنهم آمنوا
تفسير الشعراوي — صفحة 11307
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٠٧