بشرى للمسلمين ، فالفرس قوم كانوا يعبدون النار ، أما الروم فأهل كتاب ، إذن : فالخلاف بيننا وبين الفرس في القمة الإلهية ، أمَّا الخلاف بيننا وبين الروم ففي القمة الرسالية ، فَهُم أقرب إلينا ؛ لأنهم يؤمنون بإلهنا ، وإنْ كانوا لا يؤمنون برسولنا .
وهذا من عظمة الإسلام ، فالذي يؤمن بالإله أقرب إلى نفوسنا من الذي لا يؤمن بالإله ؛ لأنه على الأقل موصول بالسماء ؛ لذلك لما غُلِبت الروم فرح كفار قريش وحزن المؤمنون ، وفرح كفار قريش لأن في هزيمة الروم دليلاً على أن محمداً وأصحابه سينهزمون كأصحابهم .
وكلمة { غَلَبِهِمْ . . . } [ الروم : 3 ] مصدر يُضاف للفاعل مرة ، ويُضاف للمفعول مرة أخرى ، تقول أعجبني ضَرْبُ الأمير مذنباً ، فأضفت المصدر للفاعل . وتقول : أعجبني ضَرْب المذنب فأضفتَ المصدر للمفعول ، وكذلك هنا { غَلَبِهِمْ . . . } [ الروم : 3 ] مصدر أضيف إلى المفعول .
لكن لماذا قال سبحانه : { سَيَغْلِبُونَ } [ الروم : 3 ] وجاء بالسين الدالة على الاستقبال ، ثم قال بعدها { فِي بِضْعِ سِنِينَ } [ الروم : 4 ] وهي أيضاً دالة على الاستقبال ؟ قالوا : لأن الغلبة لا تأتي فجأة ، إنما لا بُدَّ لها من إعداد طويل وأَخْذ بأسباب النصر ، وتجهيز القوة اللازمة له ، فكأنهم في مدة البضع سنين يُعدون للنصر ، فكلما أعدوا عُدَّة أخذوا جزءاًَ من النصر ، فالنصر إذن لا يأتي في بضع سنين ، إنما من عمل دائم على مدى بضع سنين .
فهتلر مثلاً لما انهزم في الحرب العالمية ، وتألَّبتْ عليه كل الدول ، جاء في عام 1939 وهدد العالم كله بالحرب ، فهل سقطت عليه
تفسير الشعراوي — صفحة 11300
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٠٠