تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11261

مساهمون:

ص١١٢٦١
وننظر في معطياته الحقيقية : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن . . . } [ النساء : 82 ] . والعلاقة هنا أن الآية السابقة جاءتْ لتقرر أن الدنيا دار لهو ولعب لا فائدة منها إذا ما بَعُدت عن منهج الله ، ولم تحسب حساباً لحياة أخرى هي الحياة الحقيقية وهي الحيوان ، فكان على العاقل أنْ يحرص على الآخرة ، وأنْ يعمل لها باتباع منهج الله في الدنيا . إذن : فالدنيا ليست غاية ، بل هي وسيلة ، وأنت أيها الذي أعرضتَ عن منهج ربك جلعتَ الدنيا غايتك ، والدنيا إنْ كانت هي الغاية فما أتفهها من غاية ، إنما اجعلها وسيلة للآخرة ومزرعة لدار الحيوان . وكذلك الحال في الفُلْك ، فهي وسيلة تُوصِّلك إلى هدف ، وإلى غاية ، وليست هي غاية في حَدٍّ ذاتها . { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين . . . } [ العنبكوت : 65 ] والفلك : السفينة ، وتُطلق على المفرد وعلى الجمع ، فيقول تعالى : { وَيَصْنَعُ الفلك . . . } [ هود : 38 ] وقوله { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين . . . } [ يونس : 22 ] واضح من السياق أنها ليستْ دعوة الحمد ، كأن يقولوا مثلاً { سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } [ الزخرف : 13 ] بل هي دعوة الاضطرار بعد أنْ تعرَّضوا لشدة وعطب لا تنجيهم منها أسبابهم ، بدليل قوله تعالى بعدها : { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت : 65 ] . فهذه تعطينا أنهم ركبوا في السفينة ، فلما تعرَّضوا للعطب ، وضاقتْ بهم أسبابهم دعوا الله مخلصين له الدين .