وكذلك الحياة في كل شيء بحسبه ، حتى في الجماد حياة نلحظها في أن الجبل يتكون من أصناف كثيرة من الحجارة ، ترتقي مع الزمن من حجارة إلى أشياء أخرى أعلى من الحجارة وأثمن ، وما دامت يطرأ عليها هذا التغيير فلا بُدَّ أن فيها حياةً وتفاعلاً لا ندركه نحن .
إذن : فكل شيء له حياة ، لكن الآفة أننا نريد حياة كالتي فينا نحن ، وأذكر نحن في مراحل التعليم قالوا لنا : هناك شيء اسمه المغناطيس ، وعملية اسمها الممغنطة ، فحين تُمغنط قطعة من الحديد تُكسِبها قدرة على جَذْب قطعة أخرى وفي اتجاه معين ، إذن : في الحديد حياة وحركة وتفاعل ، لكن ليس عندك الآلة التي تدرك بها هذه الحركة ، وفيها ذرات داخلية لا تُدرَك بالعين المجردة تم تعديلها بالمغنطة إلى جهة معينة .
واقرأ قوله تعالى : { وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ . . . } [ فصلت : 21 ] فللجوارح نفسها حياة ، ولها كلام ومنطق ، لكن لا ندركه نحن ؛ لأن حياتها ليست كحياتنا . إنك لو تتبعتَ مثلاً طبقاً أو كوباً من البلاستيك لوجدته تغيَّر لونه مع مرور الزمن ، وتغيُّر اللون فيه يدل على وجود حياة وحركة بين ذراته ، ولو لم تكُنْ فيه حياة لكان جامداً مثل الزجاج ، لا يطرأ عليه تغيُّر اللون .
والحق - تبارك وتعالى - يصف الدار الآخرة بأنها { الحيوان . . } [ العنكبوت : 64 ] وفرْق بين الحياة والحيوان ، الحياة هي هذه التي نحياها في الدنيا يحياها الأفراد ، ويحياها النبات ، ثم تؤول إلى الموت والفناء ، أمّا الحيوان فيعني الحياة الأرقى في الآخرة ؛ لأنها حياة باقية حياة حقيقية .
تفسير الشعراوي — صفحة 11258
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٥٨