وقوله تعالى : { نِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ العنكبوت : 58 ] نعم ، نعْم هذا الأجر ؛ لأنك مكثْتَ إلى سِنَّ التكليف ترْبَع في نعم الله دون أنْ يُكلِّفك بشيء ، ثم يعطيك على مدة التكليف أجراً لا ينقطع ، ولا نهاية له ، فأيُّ أجر أَسْخى من هذا ؟ ويكفي أن الذي يقرِّر هذه الحقيقة هو الله ، فهو سبحانه القائل : { نِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ العنكبوت : 58 ] .
ثم يقول الحق سبحانه : { الذين صَبَرُواْ . . . } .
فهذه من صفات العاملين { الذين صَبَرُواْ . . . } [ العنكبوت : 59 ] فلا تظن أن العمل ما كان في بحبوحة العيش وترَف الحياة ، فالعامل الحق هو الذي يصبر ، وكلمة { الذين صَبَرُواْ . . . } [ العنكبوت : 59 ] تدل على أنه سيتعرَّض للابتلاء ، كما قال سبحانه : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] .
فالذين اضطهدوا وعُذِّبوا حتى اضطروا للهجرة بدينهم صبروا ، لكن هناك ما هو أكبر من الصبر ؛ لأن خَصْمك من الجائز أنْ يصبر عليك ، فيحتاج الأمر إلى المصابرة ؛ لذلك قال سبحانه { اصبروا وَصَابِرُواْ } [ آل عمران : 200 ] ومعنى : صابره . يعني : تنافس معه في الصبر .
والصبر يكون على آفات الحياة لتتحملها ، ويكون على مشقة التكاليف ، وعلى إغراء المعصية ، يقولون : صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، وصدق الشاعر حين قال :
وكُنْ رجلاً كالضِّرس يرسُو مكَانَهُ . . . ليَمْضُغَ لاَ يَعْنيه حُلْو ولاَ مُرّ
تفسير الشعراوي — صفحة 11248
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٤٨