تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11246

مساهمون:

ص١١٢٤٦
فإذا كانت جنة الدنيا على هذه الصورة من الخِصْب والنماء والجمال ، وفيها أسباب القُوت والترف ، إذا كان ذلك في دنيا الأسباب التي نراها ، فما بالك بما أعدَّه الله لخَلْقه في الآخرة ؟ ومن عجائب الجنة أنها { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار . . . } [ العنكبوت : 58 ] ونحن نعرف أن أنهار الدنيا تجري خلالها عبر الشُّطان التي تحجز الماء ، أمّا في الجنة فتجري أنهارها بلا شُطآن . لذلك لما كنا نسافر إلى بلاد المدنية والتقدّم ، ونرى زخارف الحياة وترفها كنتُ أقول لمن معي : خذوا من هذا النعيم عِظَة ، فهو ما أعدَّه البشر للبشر ، فما بالكم بما أعدَّه ربُّ البشر للبشر ؟ فإذا رأيتَ نعيماً عند أحد فلا تحقد عليه ، بل ازْدَدْ به يقيناً في الله تعالى ، وأن ما عنده أعظم من هذا . أَلاَ ترى أن الحق - تبارك وتعالى - حينما يخبرنا عن الجنة يقول : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون . . . } [ محمد : 15 ] فيجعلها مثلاً ؛ لأن ألفاظ اللغة لا تؤدي المعاني التي في الجنة ولا تَصِفها . لذلك يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « فيها ما لا عَيْن رأت ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطر على قلب بشر » فكل ما جاء فيها ليس وصفاً لها إنما مجرد مثَل لها ، ومع ذلك لما أعطانا المثل للجنة صَفّى المثل من شوائبه ، فقال : { فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ