طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى . . . } [ محمد : 15 ] ويكفي أن تعلم أن نعيم الجنة يأتي مناسباً لقدرة وإمكانيات المنِعم سبحانه .
وقوله سبحانه { خَالِدِينَ فِيهَا . . . } [ العنكبوت : 58 ] لأن النعيم مهما كان واسعاً ، ومهما تعددتْ ألوانه ، فيُنغِّصه ويُؤرِّق صاحبه أن يزول إما بالموت وإما بالفقر ، أما نعيم الجنة فدائم لا يزول ولا ينقطع ، فلا يفوتك ولا تفوته ، كما قال سبحانه : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] لا يُكدِّرها شيء .
إذن : فالرابح مَنْ آثر الآخرة على الدنيا ؛ لأن نعيم الدنيا مآله إلى زوال ، ولا تقُلْ : إن عمر الدنيا كم مليون سنة ، إنما عمرها مدة بقائك أنت فيها ، وإلا فماذا تستفيد من عمر غيرك ؟
ثم إنك تتمتع في الدنيا على قدر إمكاناتك ومجهوداتك ، فنعيم الدنيا بالأسباب ، لكن نعيم الآخرة بالمسبِّب سبحانه ، لذلك ترى نعيماً صافياً لا يُنغِّصه شيء ، فأنت ربما تأكل الأكْلة في الدنيا فتسبِّب لك المتاعب والمضايقات ، كالمغص والانتفاخ ، علاوة على ما تكرهه أثناء قضاء الحاجة للتخلُّص من فضلات هذه الأكلة .
أما في الآخرة فقد أعدَّ الله لك الطعام على قَدْر الحاجة ، بحيث لا تكون له فضلات ، لأنه طُهِي بكُنْ من الله تعالى .
لذلك سُئِل أحد علماء المسلمين : تقولون : إن الجنة تأكلون فيها ، ولا تتغوطون ، فكيف ذلك ؟ فقال : ولم التعجب ، أَلاَ تروْنَ الجنين في بطن أمه يتغذى وينمو ولا يتغوط ؛ لأن الله تعالى يعطيه غذاءه على قدر حاجته للنمو ، فلا يبقى منه فضلات ، ولو تغوَّط في مشيمته لمات في بطن أمه .
تفسير الشعراوي — صفحة 11247
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٤٧