تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11239

مساهمون:

ص١١٢٣٩
بعد أنْ تحدَّث الحق سبحانه عن الكفار والمكذَّبين أراد أنْ يُحدِث توازناً في السياق ، فحدَّثنا هنا عن المؤمنين ليكون أنكَى للكافرين ، حين تردف الحديث عنهم ، وعما يقع لهم من العذاب بما سينال المؤمنين من النعيم ، فتكون لهم حسرة شديدة ، فلو لم يأخذ المؤمنون هذا النعيم لكانَ الأمر أهونَ عليهم . وقوله تعالى : { يا عبادي . . . } [ العنكبوت : 56 ] سبق أن قُلْنا : إن الخَلْق جميعاً عبيد الله ، وعبيد الله قسمان : مؤمن وكافر ، وكل منهما جعله الله مختاراً : المؤمن وعبيد الله قسمان : مؤمن وكافر ، وكل منهما جعله الله مختاراً : المؤمن تنازل عن اختياره لاختيار ربه ، وفضَّل مراده سبحانه على مراد نفسه ، فصار عبداً في كل شيء حتى في الاختيار ، فلما فعلوا ذلك استحقوا أن يكونوا عبيداً وعباداً لله . أما الكافر فتأبَّى على مراد ربه ، واختار الكفر على الإيمان ، والمعصية على الطاعة ، ونسي أنه عبد الله مقهور في أشياء لا يستطيع أن يختار فيها ، وكأن الله يقول له : أنت أيها الكافر تمردْتَ على ربك ، وتأبَّيْتَ على منهجه في ( افعل ) و ( لا تفعل ) ، واعتدْتَ التمرد على الله . فلماذا لا تتمرد عليه فيما يُجريه عليك من أقدار ، لماذا لا تتأبَّى على المرض أو على الموت ؟ إذن : فأنت في قبضة ربك لا تستطيع الانفلات منها . وعليه ، فالمؤمن والكافر سواء في العبودية لله ، لكن الفرْق في العبادية حيث جاء المؤمن مختاراً راضياً بمراد الله ، وفَرْق بين عبد يُطيعك وأنت تجرُّه في سلسلة ، وعبد يخدمك وهو طليق حُرٌّ . وهكذا المؤمن جاء إلى الإيمان بالله مختاراً مع إمكانية أنْ يكفر ، وهذه هي العبودية والعبادية معاً . ومعنى { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ . . . } [ العنكبوت : 56 ] يخاطبهم ربهم هذا
تفسير الشعراوي — صفحة 11239 | محمد متولي الشعراوي