فهذا هو السبب المانع من أنْ تأتي الآية المقترحة ، ثم إن الآيات المقترحة آيات كونية تأتي وتذهب ، كما تشعل عود الثقاب مرة واحدة ، ثم ينطفئ ، رآه مَنْ رآه ، وأصبح خبراً لمن لم يَرَه .
وكلمة { لَوْلاَ . . . } [ العنكبوت : 50 ] تستخدم في لغة العرب استخدامين : إنْ دخلتْ على الجملة الاسمية مثل : لولا زيد عندك لَزرتُك ، وهي هنا حرف امتناع لوجود ، فقد امتنعتْ الزيارة لوجود زيد . وإنْ دخلتْ على الجملة الفعلية مثل : لولا تذاكر دروسك ، فهي للحضِّ وللحثِّ على الفعل .
فقولهم { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ . . . } [ العنكبوت : 50 ] كان الآية التي جاءتهم من عند الله لا يعترفون بها ، ثم يناقضون أنفسهم حينما يقولون : { لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] .
إذن : أنتم معترفون بالقرآن ، مقتنعون به ، لكن ما يقف في حلوقكم أن ينزل على محمد من بين الناس جميعاً . ثم نراهم يناقضون أنفسهم في هذه أيضاً ، ويعترفون من حيث لا يشعرون بأن محمداً رسول الله حينما قالوا : { لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ . . . } [ المنافقون : 7 ] فما دُمْتم تعرفون أنه رسول الله ، فلماذا تُعادونه ؟ إذن : فالبديهة الفطرية تكذِّبهم ، ينطق الحق على ألسنتهم على حين غفلة منهم .
ويرد الحق - تبارك وتعالى - عليهم : { قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله . . . } [ العنكبوت : 50 ] فهي عند الله ، ليست عندي ، وليست بالطلب حسب أهوائكم { وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } [ العنكبوت : 50 ] أي : هذه مهمتي ، واختار
تفسير الشعراوي — صفحة 11225
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٢٥