هذا في معنى قوله تعالى : { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ . . . } [ العنكبوت : 46 ] ونحن لا نحمل السيف في وجه هؤلاء ؛ لأن السيف ما جاء إلا ليحمي اختيار المختار ، فلي أنْ أعرض ديني ، وأنْ أُعلنه وأشرحه ، فإنْ منعوني من هذه فلهم السيف ، وإنْ تركوني أعلن عن ديني فهم أحرار ، يؤمنون أو لا يؤمنون .
إنْ آمنوا فأهلاً وسهلاً ، وإنْ لم يؤمنوا فهم أهل ذمة ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، ويدفعون الجزية نظير ما يتمعون به في بلادنا ، وعليهم ما علينا ، وما نُقدِّمه لهم من خدمات ، وإلا فكيف نفرض على المؤمنين الزكاة ونترك هؤلاء لا يقدمون شيئاً ؟
لذلك نرى الكثيرين من أعداء الإسلام يعترضون على مسألة دَفْع الجزية ، ويروْنَ أن الإسلام فُرِض بقوة السيف ، وهذا قول يناقض بعضه بعضاً ، فما فرضنا عليكم الجزية إلا لأننا تركناكم تعيشون معنا على دينكم ، ولو أرغمناكم على الإسلام ما كان عليكم الجزية .
والحق - تبارك وتعالى - يقول : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي . . . } [ البقرة : 256 ] لأنني لا أُكرهك على شيء إلا إذا كنتَ ضعيف الحجة ، وما دام أن الرشدْ بيِّن والغيّ بيِّن ، فلا داعي للإكراه إذن .
لكن البعض يفهم هذه الآية فهماً خاطئاً فحين تقول له : صَلِّ يقول لك { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين . . . } [ البقرة : 256 ] ونقول له : لم تفهم المراد ، فلا إكراه في أصل الدين في أنْ تؤمن أو لا تؤمن ، فأنت في هذه حُرٌّ ، أما إذا آمنتَ وأعلنتَ أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فليس لك أن تكسر حَدّاً من حدود الإسلام ، وفَرْق بين « لا إكراه في الدين » و « لا إكراه في التدين » .
تفسير الشعراوي — صفحة 11208
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٠٨