لكن ، هل يفرض السيف عقائد ؟ السيف لا يأخذ من الناس إلا قوالبهم .
أمّا القلوب فلا يخضعها إلا الإيمان ، والله تعالى لا يريد قوالب ، إنما يريد قلوباً .
واقرأ قوله تعالى في سورة الشعراء : { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السماء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [ الشعراء : 3 - 4 ] فإنِ أراد سبحانه قَهْر القوالب والقلوب على الخضوع ، بحيث لا يستطيع أحد أنْ يتأبَّى على الإيمان ما وُجد كافر ، وما كفر الكافر إلا لما أعطاه الله من منطقة الاختيار ؛ فالحق سبحانه يريد منّا قلوباً تحبه سبحانه وتعبده ؛ لأنه سبحانه يستحق أنْ يُعبد .
إذن : الذين يخرجون عن نطاق الكتابية بتجاوزهم الحدَّ ، وقولهم أن عيسى ابن الله ، أو أن الله ثالث ثلاثة ، إنما يدخلون في نطاق الشرك والكفر ، ولن نقول لهؤلاء : اتبعوا رسولنا ، وإنما اتبعوا رسولكم ، والكتاب الذي جاءكم به من عند الله ، وسوف تجدون فيه البشارة بمحمد { الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل . . . } [ الأعراف : 157 ] .
إذن : فحين تكفر فأنت لا تكفر بمحمد ولا بالقرآن ، إنما تكفر أولاً بكتابك أنت ؛ لذلك يعلمنا الحق سبحانه :
{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ . . . } [ المائدة : 17 ] وقال أيضاً : { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ . . . } [ المائدة : 73 ] .
أي : لا تعاملوهم على أنهم كتابيون ، ولما سُئلْنا في الخارج من أبنائنا الذين يرغبون في الزواج من أجنبيات ، فكنت أقول للواحد منهم : سَلْها أولاً : ماذا تقول في عيسى ، فإنْ قالت هو رسول الله فتزوجها وأنت مطمئن ؛ لأنها كتابية ، وإن قالت : ابْن الله ، فعاملها على أنها كافرة ومشركة .
تفسير الشعراوي — صفحة 11207
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٠٧