تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11202

مساهمون:

ص١١٢٠٢
رأيك الذي لا يألفه ولم يعتده ، فأنت تجمع عليه أمرين : أنْ تُخرجه عما أَلف واعتاد إلى ما لم يألف ، فلا يكُنْ ذلك بأسلوب يكرهه حتى لا تجمع عليه شدتين . فعليك إذن باللين والاستمالة برفق ؛ لأن النصح ثقيل كما قال شوقي رَحِمَهُ اللَّهُ : فلا تجعله جبلاً ، ولا ترسله جَدَلاً ، وعادة ما يُظهِر الناصح أنه أفضل من المنصوح . ويقولون : الحقائق مرة ، فاستعيروا لها خِفَّة البيان ؛ لأنك تُخِرج خَصْمك عما أَلِف ، فلا تخرجه عما ألف بما يكره ، بل بما يحب . والإنسان قج يُعبِّر عن الحقيقة الواحدة تعبيراً يُكره ، ويُعبِّر عنها تعبيراً يُحب وترتاح إليه ، كالملك الذي رأى في منامه أن كل أسنانه قد سقطتْ ، فطلب مَنْ يُعبِّر له ما رأى ، فجاءه المعبِّر واستمع منه ، ثم قال : معنى هذه الرؤيا يا مولاي أن أهلك جميعاً سيموتون ، فتشاءم من هذا التعبير ولم يُعجبه ، فأرسلوا إلى آخر فقال : هذا يعني أنك ستكون أطولَ أهل بيتك عُمراً ، فَسُرَّ الملك بقوله . فهنا المعنى واحد ، لكن أسلوب العرض مختلف . ودخل رجل على آخر ، فوجده يبكي فقال : ما يُبكيك ؟ قال : أخذْتُ ظلماً ، فتعجب وقال : فكيف بك إذا أُخِذْتَ عدلاً ؟ أكنت تضحك . والمعنى أن مَنْ أُخذ ظلماً لا ينبغي له أن يحزن ؛ لأنه لم يفعل شيئاً يشينه ، والأَوْلَى بالبكاء من أُخذ عدلاً وبحقٍّ . ورجل قُتِل له عزيز فجلس يصرح ويولول ، فدخل عليه صاحبه مُواسياً فقال له الرجل : إن ابني قُتِل ظلماً ، فقال صاحبه : الحمد لله الذي جعل منك المقتول ، ولم يجعل منك القاتل . إذن : سلامة المنطق وخِفَّة البيان أمر مهم ، وعلى المجادل أن