ومن الجدل أُخِذ الجدال والجدَل والمجادلة ، وفي معناها : الحوار والحجاج والمناظرة ، ومعناه أن يوجد فريقان لكل منها مذهب يؤيده ويدافع عنه ليفتن الآخر أي : ليلفته عن مذهبه إلى مذهبه هو .
فإذا كان المقصود هو الحق في الجدال أو الحِجَاج أو المناظرة فهذا الاسم يكفي ، لكن إنْ دخل الجدال إلى مِراءٍ أو لجاجة ، فليس القصد هو الحق ، إنما أنْ يتغلَّب أحد الفريقين على الآخر ، والجدل في هذه الحالة له أسماء متعددة ، منها قوله تعالى : { لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ . . } [ المؤمنون : 75 ] .
لكن إذا فَتَلْنا الشيء المنفوش حتى صار مُضْمراً ، وأخذ من الضمر قوة ، أأنت تجعل في الجدل خَصْمك قوياً ؟ إنك تحاول أنْ تُقوِّي نفسك في مواجهته . قالوا : حين أنهاه عن الباطل وأعطفه ناحية الحق ، فإنه يقوي يقينه في شيء ينفعه ، وكأنه كان منتفشاً آخذاً حيِّزاً أكبر من حجمه بالباطل الذي كان عليه ، فأنا قوّيته بالحق . وفي العامية نقول ( فلان منفوخ على الفاضي ) أو نقول ( فلان نافش ريشه ) كأنه أخذ حيزاً أكبر من حجمه .
لذلك نلحظ أن التغلب في الجدل لا يكون لمجرد الجدل ، إنما تغلُّبك لحق ينفع الغير ويُقويه ويردّه إلى حجمه الطبيعي .
أو : أن الجدل مأخوذ من الجدال وهي الأرض ، كأن يطرح القوي الضعيف أرضاً في صراع مثلاً .
والجدال يكون بين شخصين ، لكل منهما رأيه الذي يألفه ويحبه ويقتنع به ، فحين تجادله تريد أنْ تُخرِجه عن رأيه الذي يألف إلى
تفسير الشعراوي — صفحة 11201
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٠١