يراعي بيانه ، وأن يتحين الفرصة المناسبة ، فلا تجادل خصمك وهو غضبان منك أو وأنت غضبان منه . قالوا : مَرَّ رجل فوجد صبياً يغرق في البحر ، فلم ينتظر حتى يخلع ثيابه ، وألقى بنفسه وأنقذ الصبي ، ثم أخذ يضربه ويلطمه ، والولد يقول : شكراً لك بارك الله فيك ، لماذا ؟ لأنه قسا عليه بعد أنْ أنقذه ، لكن ما الحال لو وقف على البَرِّ ، وكال له الشتائم وعنَّفه ، لماذا ينزل البحر وهو لا يعرف العوم ؟ لذلك يقول الحكماء : آسِ ثم أنصح .
لذلك يُعلِّمنا ربنا - عَزَّ وَجَلَّ - أصول الجدل وآدابه ؛ لأنه يريد أن يُخرِج بهذا الجدل أناساً من الكفر إلى الإيمان ، ومن الجحود إلى اليقين ، وهذا لا يتأتّى إلا باللطف واللين ، كما قال سبحانه : { ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ . . . } [ النحل : 125 ] .
ويُعلِّمنا سبحانه أن للجدل مراتبَ بحسب حالة الخَصم ، فالذي ينكر وجود الله له جدل مخصوص ، والذي يؤمن بوجود الله ويقول : إن معه شريكاً . له جدل آخر ، ومَنْ يؤمن بالله ويقول سأتبع نبيِّ ولن أتبعك له جدل آخر وبشكل خاص ، والمختلفون معك من أهل مِلَّتك لهم جدل يليق بحالهم .
إذن : للجدل مراتب نلحظها في أسلوب القرآن ، فبم جادل الذين لا يؤمنون بوجود إله ؟ قال : { أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض بَل لاَّ يُوقِنُونَ } [ الطور : 35 - 36 ] .
فأتى لهم بمسألة الخَلْق الظاهرة التي لم يدَّعها أحد ، ولا يجرؤ أحد على إنكارها ، حتى المشركون والملاحدة ؛ لأن أتفه الأشياء في صناعاتهم يعرفون صانعها ، ويُقرُّون له بصنعته ، ولو كانت كوباً من زجاج أو حتى قلم رصاص ، لا بُدَّ أن لكل صنعة صانعاً يناسبها .
تفسير الشعراوي — صفحة 11203
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٠٣