البعوضة ، ورأوها لا تستحق أنْ تُضرب مثلاً .
ونقول لهم : أنتم لستم عاقلين ولا عالمين بدقة المثل ، واقرأوا : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ . . . . } [ الحج : 73 ] بل وأكثر من ذلك : { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ . . . } [ الحج : 73 ] .
دَعْك من مسألة الخَلْق ، وتعالَ إلى أبسط شيء في حركة حياتنا إذا وقع الذباب على طعامك ، فأخذ منه شيئاً أتستطيع أن تسترده منه مهما أُوتيتَ من القوة والجبروت ؟
إذن : فالذبابة ليست شيئاً تافهاً كما تظنون ، بل واقلّ منها الناموس ( والميكروب ) وغيره مما لا يُرَى بالعين المجردة مخلوقات لله ، فيها أسرار تدلُّ على قدرته تعالى .
كما قال سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا . . . } [ البقرة : 26 ] أي : ما فوقها في الصِّغَر ، ولك أن تتأمل البعوضة ، وهي أقلّ حجماً من الذباب ، وكيف أن لها خرطوماً دقيقاً ينفذ من الجلد ، ويمتصّ الدم الذي لا تستطيع أنت إخراجه إلا بصعوبة ، ( والميكروب ) الذي لا تراه بعينك المجردة ومع ذلك يتسلل إلى الجسم فيمرضه ، ويهدّ كيانه ، وربما انتهى به إلى الموت .
إذن : ففي هذه المخلوقات الحقيرة في نظرك عبر وآيات ، لكن لا يعقلها إلا العالمون ، ومعظم هذه الآيات والأسرار اكتشفها غير مؤمنين بالله ، فكان منهم مَنْ عقلها فآمن ، ومَنْ لم يعقلها فظلَّ على كفره على أنه أَوْلَى الناس بالإيمان بالله ؛ لأن لديه من العلم ما يكتشف به أسرار الخالق في الخَلْق . لذلك جاء في الأثر : « العالم الحق هو
تفسير الشعراوي — صفحة 11182
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١٨٢