وكذلك يضرب لهم مثلاً آخر : { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ . . . } [ إبراهيم : 18 ] .
ومعنى : { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 41 ] أي : حقيقة الأشياء ، فشبكة العنكبوت لا تصلح بيتاً ، ولكن تصلح مصيدةً للحشرات ، وكذلك الأصنام والأحجار لا تنفع لأنْ تكون آلهة تُعبد ، إنما لأنْ تكون دلالة على قدرة الخالق - عَزَّ وَجَلَّ - فلو فكَّروا فيها وفي أسرار خَلْقها لاهتدوا من خلالها للإيمان .
فهي - إذن - دليلُ قدرة لو كانوا يعلمون ، فالجبل هذا الصخر الذي تنحتون منه أصنامكم هو أول خادم لكم ، ولمن هو أَدْنى منكم من الحيوان والنبات ، وسبق أن قلنا : إن الجماد يخدم النبات ، ويخدم الحيوان ، وهم جميعاً في خدمة الإنسان .
إذن : فالجماد خادم الخدامين ، ومع ذلك جعلتموه إلهاً ، فانظروا إذن إلى هذه النقلة ، وإلى خِسَّة فكركم ، وسوء طباعكم حيث جعلتم أدنى الأشياء وأحقرها أعلى الأشياء وأشرفها - أي : في زعمكم .
فكيف وقد ميَّزك الله على كل الأجناس ؟ لقد كان ينبغي منك أن تبحث عن شيء أعلى منك يناسب عبادتك له ، وساعتها لن تجد إلا الله تتخذه إلهاً .
بل واقرأ إنْ شِئْتَ عن الجماد قوله تعالى : { قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا . . . } [ فصلت : 9 - 10 ] أي : في الأرض { رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } [ فصلت : 10 ] .
فكأن الجبال الصَّماء الراسية هي مخازن القوت للناس على مَرِّ
تفسير الشعراوي — صفحة 11179
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١٧٩