تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11178

مساهمون:

ص١١١٧٨
كذلك الراديو أول ما ظهر كان في حجم ( النورج ) ، والآن أصبح صغيراً في حجم الجيب . ومن مخلوقات الله ما دق ؛ لدرجة أنك لا تستطيع إدراكه بحواسك ، والعجيب أن يطلب الإنسان أنْ يرى الله جهرة ، وهو لا يستطيع أنْ يرى آثار خَلْقه وصَنْعته . فأنت لا ترى الجن ، ولا ترى الميكروب والجراثيم ، ولا ترى حتى روحك التي بين جنبيك والتي بها حياتُك ، لا يرى هذه الأشياء ولا يدركها بوسائل الإدراك الأخرى ، فمن عظمته تعالى أنه يدرك الأبصار ، ولا تدركه الأبصار . نعود إلى المثَل الذي ضربه الله لنا : { مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ . . . } [ العنكبوت : 41 ] أي : شركاء وشفعاء { كَمَثَلِ العنكبوت . . . } [ العنكبوت : 41 ] هذا المخلوق الضعيف الذي ينسج خيوطه بهذه الدقة التي نراها ، والذي نسج خيوطه على الغار في هجرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، واشترك مع الحمامة في التعمية على الكفار . { اتخذت بَيْتاً . . . } [ العنكبوت : 41 ] أي : من هذه الخيوط الواهية { وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت . . . } [ العنكبوت : 41 ] فخطأ العنكبوت ليس في اتخاذ البيت ، إنما في اتخاذ هذه الخيوط الواهية بيتاً له وهبّة ريح كافية للإطاحة بها ، ويشترط في البيت أن يكون حصيناً يحمي صاحبه ، وأن تكون له أبواب ونوافذ وحوائط . . إلخ . أما لو اتخذها شبكة لصيد فرائسه لكان أنسب ، وكذلك الكفار اتخذوا من الأصنام آلهة ، ولو اتخذوها دلالة على قدرة الحق في الخَلْق لكان أنسب وأَجدْى . وكما أن بيت العنكبوت تهدمه هَبَّة ريح وتُقطعه وأنت مثلاً تنظف بيتك ، وربما تقتل العنكبوت نفسه ، فكذلك طبْق الأصل يفعل الله بأعمال الكافرين : { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] .