لك : ماذا أراد الله بهذا ؟ لأن الله تعالى قال : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا . . . } [ البقرة : 26 ] .
فالبعض يرى أن البعوضة هذه شيء تافه ، فكيف يجعله الله مثلاً ؟ والتحقيق أن البعوضة خَلْق من خَلْق الله ، فيها من العجائب والأسرار ما يدعوك للتأمل والنظر ، وليست شيئاً تافهاً كما تظن ، بل يكفيك فَخْراً أنْ تصل إلى سِرِّ العظمة فيها .
ففي هذا المخلوق الضئيل كل مُقوِّمات الحياة والإدراك ، فهل تعرف فيها موضع العقل وموضع جهازها الدموي . . إلخ وفضلاً عن الذباب والناموس وصغار المخلوقات ألا ترى الميكروبات التي لا تراها بعينك المجردة ومع ذلك يصيبك وأنت القوى بما يؤرقك وينغص عليك .
إذن : لا تقُلْ لماذا يضرب الله الأمثال بهذه الأشياء لأن الله { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا . . . } [ البقرة : 26 ] ما فوقها أي : في الصِّغَر والاستدلال . أي : ما دونها صِغَراً ؛ لأن عظمة الخلق كما تكون بالشيء الأكثر ضخامة تكون كذلك بالشيء الأقلّ حجماً الأكثر دِقَّة .
لو نظرتَ مثلاً إلى ساعة ( بج بن ) وهي أضخم وأشهر ساعة في العالم ، وعليها يضبط العالم الوقت لوجدتَها شيئاً ضخماً من حيث الحجم ليراها القادم من بعيد ، ويستطيع قراءتها ، فدلَّتْ على عظمة الصِّنْعة ومهارة المهندسين الذين قاموا ببنائها ، فعظمتها في ضخامتها وفخامتها ، فإذا نظرتَ إلى نفس الساعة التي جعلوها في فصِّ الخاتم لوجدتَ فيها أيضاً عظمة ومهارة جاءت من دِقَّة الصنعة في صِغَر الحجم .
تفسير الشعراوي — صفحة 11177
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١٧٧