وفي آية أخرى { ثُمَّ انظروا . . } [ الأنعام : 11 ] ؛ لأن السير من أرض لأخرى له دافعان : إما للسياحة والتأمل والاعتبار ، وإما للتجارة والاستثمار ، إنْ ضاق رزقك في بلادك . فقوله : { قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا . . . } [ العنكبوت : 20 ] أي : نظر اعتبار وتأمل .
أما في { ثُمَّ انظروا . . } [ الأنعام : 11 ] فثم تفيد العطف والتراخي ، كأنه سبحانه يقول لنا : سيروا في الأرض للاستثمار ، ثم انظروا نظرة التأمل والاعتبار ، ولا مانع من الجمع بين الغرضين .
وتذكرون أن الحق سبحانه قال في السورة السابقة ( القصص ) : { إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ . . . } [ القصص : 85 ] والمراد بذلك الهجرة ، وفي هذه السورة تأتي : { يا عبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فاعبدون } [ العنكبوت : 56 ] .
والمعنى : إن ضاق رزقك في مكان فاطلبه في مكان آخر ، أو : إنْ لم تكُنْ الآيات الظاهرة لك كافية لتشبع عندك الرغبة في الاعتبار والتأمل فسِرْ في الأرض ، فسوف تجد فيها كثيراً من الآيات والعِبَر في اختلاف الأجناس والبيئات والثمار والأجواء . . إلخ .
لذلك يقول سبحانه : { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا . . . } [ النساء : 97 ] .
فالأرض كلها لله لا حدودَ فيها ، ولا فواصلَ بينها ، فلما قسَّمها الناس وجعلوا لها حدوداً تمنع الحركة فيها حدثت كثير من الإشكالات ، وصَعُبَ على الناس التنقل للسياحة أو لطلب الرزق إنْ ضاق بأحد رزقه .
وها هي السودان بجوارنا بها مساحات شاسعة من الأراضي الخِصْبة التي إنْ زُرِعت سدَّتْ حاجة العالم العربي كله ، أنستطيع
تفسير الشعراوي — صفحة 11119
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١١٩