تعالى لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أوثق له من رؤيته بعينه .
ومن ذلك قول الصِّدِّيق أبي بكر لما سمع بحادث الإسراء والمعراج قال : « إنْ كان قال فقد صدق » .
والهمزة في { أَوَلَمْ يَرَوْاْ . . . } [ العنكبوت : 19 ] استفهام للتقرير ، كما تقول لولدك : ألم تَرَ إلى فلان الذي أهمل دروسه ، تريد أنْ تنكر عليه أنْ يُهمل هو أيضاً ، فتقرره بعاقبة الإهمال ، وتدعه ينطقه بلسانه ، فيقول لك : الذي أهمل دروسه رَسَب .
وكما تقول لمَنْ أنكر جميلك : ألم أُحسِن إليك بكذا وكذا ، فيُقِر بها هو بدل أنْ تعددها له أنت ، فهذا أبلغ في الاعتراف .
فساعة يأتي بعده الهمزة نَفْي يسمونه استفهاماً إنكارياً ، تنكر ما هم عليه ، وتريد أن تقررهم بما يقابله . والنفي بعد الإنكار نفي للنفي ، ونفي النفي إثبات .
فالمعنى : أيكذبون ولم يَرَوْا ما حدث للأمم المكذِّبة من قبل ؟ أيكذبون ولم يَروْا آيات الله ، وقدرته شائعة في الوجود كله ؟ لقد كان عليهم أن ينظروا نظرة اعتبار ليعلموا مَنْ خلق هذا الخَلْق ، وإنك لو سألتهم : مَنْ خلق هذا الكون لا يجدون جواباً ، ولا يملكون إلا أنْ يقولوا : الله ، كما حكى القرآن : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله . . . } [ لقمان : 25 ] .
لكن ، كيف يُقِرُّون بهذه الحقيقة ويعترفون بها ، مع أنهم كافرون بالله ؟ قالوا : لأنها مسألة أظهر مَن أنْ ينكرها منكر ، فكل صاحب صنعة مهما كانت ضئيلة يفخر بها وينسبها إلى نفسه ، بل وينسب إلى نفسه ما لم يصنع ، فما بالك بكَوْنِ أُعِدَّ بهذه الدقة وبهذه
تفسير الشعراوي — صفحة 11116
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١١٦