والرزق هو الشُّغل الشاغل عند الناس ، ففي أول الأمر كلنا يجتهد لنأكل ونشرب ونعيش ، فلما تتحسَّن الأمور نرغب للمستقبل ، فالموظف مثلاً يدخر لشهر ، والزارع يدخل للعام كله .
ومن أعاجيب هذه المسألة أنك تجد الإنسان والفأر والنمل هم الوحيدون بين مخلوقات الله التي تدخر للمستقبل ، أما بقية الحيوانات فتأخذ حاجتها من الطعام فقط ، وتترك الباقي دون أنْ تهتمَّ بهذه المسألة ، أو تُشغَل برزق غد أبداً ، لا يأكل أكثر من طاقته ، ولا يدخر شيئاً لغده .
لذلك يُذكِّر الله عباده بمسألة الرزق لأهميتها في حياتهم ، ومن عجيب أمر الرزق أنه أعرَفُ بمكانك وعنوانك ، منك بمكانة وعنوانه ، فإنْ قُسِم لك الرزق جاءك بطرق عليك الباب ، وإنْ حُرمت منه أعياك طلبه .
ومن أوضح الأمثلة على أن الرزق مقسوم مقدَّر من الله لكل منا أن المرأة حين تحمل يمتنع عنها الحيض الذي كان يأتيها بشكل دوريٍّ قبل الحمل ، فأين ذهب هذا الدم ؟ هذا الدم هو رزق الجنين في بطن أمه لا يأخذه ولا يستفيد به غيره حتى الأم .
فإنْ قُدِّر الجنين تحول هذا الدم إلى غذاء له خاصة ، فإنْ لم يُقدَّر للأم أنْ تحمل نزل منها هذا الدم على صورة كريهة ، لا بُدّ من التخلص منه ؛ لأنه ضار بالأم إنْ بقي لا بُدَّ من نزوله ، لأنه ليس رزقها هي ، بل رزق ولدها في أحشائها ، ولو لم يكُنْ هذا الدم رِزْقاً للجنين لكانت الأم تضعف كلما تكرَّرت لها عملية نزول الدم بهذه الصورة الدورية . إذن : لكل منا رِزْق لا يأخذه غيره .
لذلك يقول أحد الصالحين : عجبتُ لابن آدم يسعى فيما ضُمِن له ويترك ما طُلِب منه .
تفسير الشعراوي — صفحة 11110
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١١٠