فالحق سبحانه لا يعيب عليهم الخَلْق ؛ لأنه أثبت للعباد خَلْقاً ، فقال سبحانه : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] .
والفَرْق أنك تخلق من موجود ، أما الحق سبحانه فيخلق من العدم ، فأنت تُوجِد الثوب من القطن مثلاً ، وكوبَ الزجاج من الرمل ، والمحراث من الحديد . . إلخ فأوجدت معدوماً عن موجود سابق ، أما الخالق سبحانه فأوجد معدوماً عن لا موجود .
وسبق أنْ أوضحنا أن صَنْعة البشر تجمد على حالها ، فالسكين مثلاً يظل سكيناً فلا يكبر ، حتى يصير ساطوراً مثلاً ، والكوب لا يلد لنا أكواباً أخرى . لكن خِلْقة الله سبحانه لها صفة النمو والحياة والتكاثر . . إلخ ؛ لذلك أنصفك الله فوصفك بأنك خالق ، لكن هو سبحانه أحسن الخالقين .
إذن : الحق سبحانه لا يعيب على هؤلاء أنهم يخلقون ، إنما يعيب عليهم أنْ يخلقوا إفْكاً وكذباً .
ثم يقول سبحانه : { إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فابتغوا عِندَ الله الرزق . . . } [ العنكبوت : 17 ] في موضع آخر بيَّن لهم الحق سبحانه أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع ، وهنا يذكر مسألة مهمة هي استبقاء الحياة للإنسان بالقُوت الذي نسميه الرزق ، فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تملك لكم رزقاً ، ولو امتنع عنكم المطر وأجدبت الأرض لمتُم من الجوع .
إذن : كان عليكم أنْ تتأملوا : من أين تأتي مقومات حياتكم ، ومَنْ صاحب الفضل فيها ، فتتوجَّهون إليه بالعبادة والطاعة ، كما نقول في المثل ( اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي ) إنما أُطعمك وتسمع لغيري ؟ ! !
تفسير الشعراوي — صفحة 11109
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١٠٩