منه أهل الصحراء ، فقد نرمي فيه القاذورات التي تُفسد ماءه ، وقد نرى مَنْ يُهيل فيه التراب فيطمسه ، وهذا كله من إفساد الصالح ، وربما يأتي مَنْ يبني حوله سوراً يحميه ، أو يجعل عليه آلة رَفْع ترفع الماء وتُريح الناس الذين يردونه ، فإذا لم تكُنْ من هؤلاء فلا أقلَّ من أن تدعه على حاله .
فالصالح إذن : كل عمل وفكر يزيد صلاحَ المجتمع في حركات الحياة كلها ، وإياك أن تقول إن هناك عملاً أشرف من عمل ، فكل عمل مهما رأيته هيِّناً - ما دام يؤدي خدمة للمجتمع ، ويُقدِّم الخير للناس فهو عمل شريف ، فقيمة الأعمال هي قيمة العامل الذي يُحسنِها وينفع الناس بها ، يعني : ليس هناك عمل أفضل من عمل ، إنما هنَاك عامل أفضل من عامل ؛ لذلك يقولون : قيمة كل امريء مَا يُحسِنه .
وسبق أن ضربتُ لذلك مثلاً ، وما أزال أضربه ، مع أنه من أُنَاس غير مسلمين : كان نقيب العمال في فرنسا يطالب بحقوق العمال ويدافع عنهم ويُوفِّر لهم المزايا ، فلما تولى الوزارة قالوا له : أعطنا الآن الحقوق التي كنتَ تطالب بها لنا ، وربما كان يطالب لعماله بما تضيق به إمكانات وميزانيات الوزارة ، أما الآن فقد أصبح هو وزيراً ، وفي إحدى المرات تطاول عليه أحد العمال وقال : لا تنْسَ أنك كنت في يوم من الأيام ماسحَ أحذية ، فقال : نعم ، لكنني كنت أتقنها .
ثم يذكر الحق سبحانه جزاء الإيمان والعمل الصالح : { لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ . . . } [ العنكبوت : 7 ] وهنا تتجلى العظمة الإلهية ، حيث بدأ بتكفير السيئات وقدَّمها على إعطاء الحسنات .
لأن التخلية قبل التحلية ، والقاعدة تقول : إن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم
تفسير الشعراوي — صفحة 11082
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٠٨٢