وكيف أن لكل حركة فيه زراً يحركها وعمليات آلية معقدة ، تأمل في نفسك حين تريد أن تقوم مثلاً بمجرد أن تفكر في القيام ، تجد نفسك قائماً ، مرادك أنت في الأعضاء أن تفعل وتنفعل لك .
إذن ، حينما يقول لك ربك : { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] فصدِّقه ؛ لأنك شاهدتها في نفسك وفي أعضائك ، فما بالك بربك - عَزَّ وَجَلَّ - أيعجز أن يفعل ما تفعله أنت ؟ ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تنام أو تبطش بيدك ؟
لا شيء غير الإرادة في داخلك ؛ لأن ربك خلع عليك من قدرته ، وأعطاك شيئاً من قوله ( كُنْ ) وقدرة من قدرته ، لكن لم يشأ أنْ يجعلها ذاتية فيك حتى لا تغترّ بها .
لذلك إنْ أراد سبحانه سَلبَها منك لقوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى } [ العلق : 6 - 7 ] فتأتي لتحرك ذراعك مثلاً فلا يطاوعك ، لقد شُلَّ ويأبى عليك بعد أنْ كان طَوْع إرادتك ، ذلك لتعلم أنه هِبَة من الله ، إنْ شاء أخذها فهي ليست ذاتية فيك .
فالمجاهدة تشمل ميادين عديدة ، مجاهدة الغرائز والعواطف ، ومجاهدة مشقة المنهج في افعل ولا تفعل ، ومجاهدة شياطين الإنس والجن ، ومجاهدة خصوم الإسلام الذين يريدون أنْ يُطفئوا نور الله .
وروى البخاري « أن خباب بن الأرتّ دخل على سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال : يا رسول الله ، إننا في شدة ، ألاَ تستنصر لنا ؟ أَلاَ تدعو لنا ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : إنه كان الرجل فيمن قبلكم تُحفر له الحفرة ، فيُوضع فيها ، ثم يُؤتَى بالمنشار فيُقَدُّ نصفين ، ثم يُمشَطُ لحمه عن عظمه بأمشاط الحديد ، فلا يصرفه ذلك عن دين الله » .
تفسير الشعراوي — صفحة 11079
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٠٧٩