تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11068

مساهمون:

ص١١٠٦٨
على تحقُّق الفعل ، كما قال سبحانه : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ } [ القصص : 88 ] ولم يقل : سيهلك ، وقوله سبحانه مخاطباً نبيه محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ] . يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياءً ؛ لأن الميِّت : مَنْ يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت ، أما مَنْ مات فعلاً فيُسمَّى ( مَيْت ) . وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول : يأتي أو سيأتي ، وتقول لمن تتوعده : سأفعل بك كذا وكذا ، فأنت جازفتَ وتكلمتَ بشيء لا تملك عنصراً من عناصره ، فلا تضمن مثلاً أنْ تعيش لغد ، وإنْ عشتَ لا تضمن أن يعيش هو ، وإنْ عاش ربما يتغير فكرك ناحيته ، أو فقدتَ القدرة على تنفيذ ما تكلمت به كأنْ يصيبك مرض أو يِلُم بك حدث . لكن حينما يتكلم مَنْ يملك ازمّة الأمور كلها ، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه ، فحين يحكم ، فليس للزمن اعتبار في فعله ، لذلك لم يقل سبحانه : إن أجل الله سيأتي ، بل { لآتٍ . . . } [ العنكبوت : 5 ] على وجه التحقيق . وسبق أنْ ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى عن القيامة : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ . . . } [ النحل : 1 ] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون : وهل يستجعل الإنسان إلا ما لم يَأْتِ بَعْد ؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله ، وليست لديهم مَلَكة العربية ، فالله تعالى يحكم على المستقبل ، وكأنه ماضٍ أي مُحقّق ؛ لأنه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع ، ولا يحول دونه حائل .