تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11070

مساهمون:

ص١١٠٧٠
واحد ويعيش آخر ، فليس في الموت رتابة ، والحق - سبحانه وتعالى - حينما يقول : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] نجد واقع الحياة يؤكد هذا ، فلا وحدةَ في عمر ، ولا وحدةَ في سبب . والصدق في الأجل الأول المشاهد لنا يدعونا إلى تصديق الأجل الآخر ، وأن أجل الله لآت ، فالأجل الذي أنهى الحياة بالاختلاف هو الذي يأتي بالحياة بالاتفاق ، فبنفخة واحدة سنقوم جميعاً أحياءً للحساب ، فإن اختلفنا في الأولى فسوف نتفق في الآخرة ؛ لأن الأرواح عند الله من لَدُنْ آدم عليه السلام وحتى تقوم الساعة ، وبنفخة واحدة يقوم الجميع . وسبق أن قُلْنا : إن الأزمان ثلاثة : حاضر نشهده ، وماضٍ غائب عنا لا نعرف ما كان فيه ، ومستقبل لا نعرف ما يكون فيه . والحق سبحانه يعطي لنا في الوجود المشاهد دليلَ الصدق في غير المشاهد ، فنحن مثلاً لا نعرف كيف خلقنا الخَلْق الأول إلا من خلال ما أخبرنا الله به أن أَصلْ الإنسان تراب اختلط بالماء حتى صار طيناً ، ثم حمأ مسنوناً ، ثم صلصالاً كالفخار . . إلخ . ثم جعل نسل الإنسان من نطفة تتحول إلى علقة ، ثم إلى مضغة ، ثم إلى عظام ، ثم تُكْسى العظام لحماً . وإنْ كان العلم الحديث أرانا النطفة والعلقة والمضغة ، وأرانا كيف يتكوَّن الجنين ، فيبقى الخَلْق الأول من تراب غيباً لا يعلمه أحد . ولا تُصدِّق من يقول : إني أعلمه ؛ لأن الله تعالى حذرنا من هؤلاء المضلين في قوله : { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ