لذلك يُسمَّى هذا الجدل « مراءً » ، ومنه قوله تعالى : { أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى } [ النجم : 12 ] يعني : أتجادلون رسول الله في أمر رآه ؟ والمراء : هو الجَدل العنيف ، مأخوذ من ( مَرْى الضرع ) يعني : حَلْب ما فيه من لبن إلى آخر قطرة فيه ، وأهل الريف يقولون عن هذه العملية ( قرقر البقرة ) يعني : أخذ كل لبنها ولم يَبْقَ في ضرعها شيء .
كذلك المجادل بالباطل ، أو المجادل بلا علم ولا حجة تراه يكابر ليأخذ آخر ما عند خَصْمه ، ولو كان عنده علم وحجة لأنهَى الموقف دون لجج أو مكابرة .
والقرآن الكريم يعطينا صورة لهذا الجدل والإعراض عن الحق ، فيقول سبحانه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } [ المنافقون : 5 ] .
والقرآن يعطينا التدرج الطبيعي للإعراض عن الحق الذي يبدأ بلَىِّ الرأس ، ثم الجانب ، ثم يعطيك دُبُره وعَرْض أكتافه ، هذه كلها ملاحظ للفرار من الجدل ، حين لا يقوى على الإقناع .
ثم يقول سبحانه : { ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله . . } [ الحج : 9 ] هذه عِلَّة ثَنْى جانبه ، لأنه يريد أنْ يُضل مَنِ اهتدى ، فلو وقف يستمع لخَصْمه وما يلقيه من حجج ودلائل لانهزم ولم يتمكّن من إضلال الناس ؛ لذلك يَثْني عِطْفه هَرَباً من هذا الموقف الذي لا يَقْدر على مواجهته والتصدي له .
فما جزاء هذا الصنف ؟ يقول تعالى : { لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ . . } [ الحج : 9 ] والخِزْي : الهوان والذِّلَّة ، هذا جزاء الدنيا قبل جزاء الآخرة ،
تفسير الشعراوي — صفحة 9719
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧١٩