والمعذّب ، فمن الناس مَنْ لا يؤلمه الجَلْد ، لكن يهينه ، فهو في حقه عذاب مهين لكرامته ، أما العذاب العظيم فهو ما فوق ما يتصوَّره المتصوِّر ؛ لأن العذاب إيلام من مُعذِّب لمعذِّب ، والمعذَّب في الدنيا يُعذَّب بأيدي البشر وعلى قَدْر طاقته ، أمّا العذاب في الآخرة فهو بجبروت الله وقَهْر الله ؛ لذلك يُوصَف بأنه عظيم .
ثم يقول الحق سبحانه : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ . . } .
نعلم جميعاً أن اللسان هو الذي يتكلم ، فماذا أضافت الآية : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ . . } [ النور : 24 ] .
قالوا : في الدنيا يتكلم اللسان وينطق ، لكن المتكلم في الحقيقة أنت ؛ لأنه مَا تحرَّك إلا بمرادك له ، فاللسان آلة خاضعة لإرادتك ، إذن : فهو مجرد آلة ، أمَّا في الآخرة فسوف ينطق اللسان على غير مراد صاحبه ؛ لأن صاحبه ليس له مراد الآن .
ولتقريب هذه المسألة : أَلاَ ترى كيف يخرس الرجل اللبيب المتكلم ، ويُمسك لسانه بعد طلاقته ، بسبب مرض أو نحوه ، فلا يستطيع بعدها الكلام ، وهو ما يزال في سَعَة الدنيا . فما الذي حدث ؟ مجرد أن تعطلتْ عنده آلة الكلام ، فهكذا الأمر في الآخرة تتعطل إرادتك وسيطرتك على جوارحك كلها ، فتنطق وتتحرك ، لا بإرادتك ، إنما بإرادة الله وقدرته .
فالمعنى { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ . . } [ النور : 24 ] أي : شهادة ونطقاً على مراد الله ، لا على مراد أصحابها .
تفسير الشعراوي — صفحة 10238
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٢٣٨