فإنْ كنت بارّاً بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك لا تبرُّه ، فقد تهدأ ثورتك عليه ، وتريد أنْ تبرَّه ، وتتحجج بحلفك ، إذن : لا تجعلوا الله عُرْضة لحلف يمنعكم من المعروف .
ثم يقول سبحانه : { أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله . . } [ النور : 22 ] صحيح أن مِسْطح من ذوي قُرْبى أبي بكر ومن المساكين ، لكن يعطيه الله نيشاناً آخر ، فلم يخرجه مَا قال من وصف المهاجر ، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم .
فمن فضل الله تعالى على عباده أن السيئة لا تُحبط الحسنة ، إنما الحسنة بعد السيئة تحبطها ، كما قال عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات . . } [ هود : 114 ] .
فرغم ما وقع فيه مِسْطح ، فقد أبقاه الله في العَتْب على أبي بكر ، وتحنين قلبه ، وأبقاه في المهاجرين .
{ وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا . . } [ النور : 22 ] العفو : ترك العقوبة على الذنب ، لكن قد تعفو عن المذنب ثم تُؤنبه ، وتمنّ عليه بعفوْك ، وتُذكِّره دائماً أنه لا يستحق منك هذا العفو ؛ لذلك يحثنا ربنا - تبارك وتعالى - على الصفح بعد العفو ، والصفح : تَرْك المنِّ وعدم ذكر الزلة لصاحبها حتى تصبح العقوبة عنده أهونَ من عفوك عنه .
ذلك لأن الحق سبحانه حينما يُشرِّع للبشر ما يُنظِّم العلاقات بينهم يراعي جميع مَلكات النفس ، لا يقتصر على الملَكات العالية فحسب ، إنما لكل الملَكات التي تنتظم الخَلْق جميعاً ، وليأخذ كل مِنَّا على قَدْر إيمانه وامتثاله لأمر ربه .
وفي ذلك يقول سبحانه : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } [ النحل : 126 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 10232
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٢٣٢