تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10231

مساهمون:

ص١٠٢٣١
على نفسك من ضيق ، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل هذا الخطأ الذي وقع فيه مِسْطح ، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله ، وعُوقِبَ بحدِّ القذف ثمانين جَلْدة ، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك . ومن سماحة الإسلام أن مَنْ وقع في حَدٍّ وعُوقِب به لا يجوز لأحد أنْ يُعيِّره بذنبه ؛ لأنه تاب وأناب وطهّره الله منه بالحدِّ ، وانتهت المسألة ، وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه . فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول : ارجع إلى فضلك يا أبا بكر ، وعُدْ أنت إلى سعتك ، وكُنْ موصولَ المروءة ، ولا تقطع رحمك ، يريد - سبحانه وتعالى - أنْ يُصفِّي ما في النفوس من آثار هذه الفتنة التي زلزلتْ المجتمع المؤمن في المدينة . ولا يليق بذي الفضل والسَّعَة أنْ يعامل الناس بالعدل ، فصحيح أن مِسْطح كان يستحق هذه القطيعة وهذا الحرمان ، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصِّدِّيق صاحب الفضل والسَّعَة . ولو أجريتَ إحصاءً للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون ، ستعلم أن المؤمنين قِلَّة والكافرين كثرة ، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في الكون : أعطوا مَنْ آمن ، واتركوا مَنْ كفر ؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مَثَلاً في ذاته عَزَّ وَجَلَّ ، فكما أنه يعطي مَنْ كفر به ويرزقه ، بل ربما كان أحسن حالاً مِمَّنْ آمن ، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عَمَّنْ أساء إليك . لذلك يقول سبحانه في آية أخرى : { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 224 ] .